السيد محمد باقر الصدر
117
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
وكتب بولتزير نظير هذا قائلًا : « إنّ المادية الجدلية في تأكيدها للطابع الموضوعي لقوانين المجتمع تؤكّد في نفس الوقت الدور الموضوعي الذي تلعبه الأفكار ، يعني النشاطات العلمية الواعية ، ممّا يتيح للناس أن يؤخّروا أو يقدّموا ، وأن يشجّعوا أو يعرقلوا تأثير قوانين المجتمع » « 1 » . ومن الواضح أنّ هذا الاعتراف الماركسي بسيطرة الإنسان عن طريق أفكاره ونشاطاته الواعية على تأثير قوانين المجتمع وعلى تقديمه وتأخيره لا يتّفق مع الفكرة العلمية عن التأريخ ؛ لأنّ التأريخ إذا كان مسيّراً وفق قوانين طبيعية عامة فوعي الإنسان وعلمه بقوانين التأريخ إنّما يعبّر عن جزء من الحقل الذي تحكمه تلك القوانين . فكلّ ما يقوم به هذا الوعي والنشاط الإنساني من أدوار فهو تعبير حتمي عن تلك القوانين وعن تأثيرها المحتوم ، وليس تقديماً لهذا التأثير أو تأخيراً له . فالماركسيون حينما يمعنون - مثلًا - في خلق الفتن لتعميق التناقضات ومضاعفاتها ينفّذون قوانين التأريخ ؛ لأنّ نشاطهم الواعي جزء من الكلّ التأريخي ، لا أنّهم يستعجلون تلك القوانين . وليس موقف الفئات التي تعمل بوعي سياسي من قوانين التأريخ كموقف العالم الطبيعي من قوانين الطبيعة التي يجرّب عليها في مختبره ، فإنّ العالم الطبيعي يستطيع أن يقدّم أو يؤخّر من تأثير قوانين الطبيعة بما يحدث من تغيّرات في وضع الطبيعة التي يجرّبها ؛ لأنّ قوانين الطبيعة التي يجرّبها لا تتحكّم في عمله ، فهو يستطيع أن يسيطر على تأثيرها بما يهيّئ للتجربة من شروط . وأمّا العاملون في الحقل السياسي فلا يمكنهم أن
--> ( 1 ) المادية والمثالية في الفلسفة : 152